الشيخ محمد رشيد رضا
236
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير اللّه لهم من دنس الذنب وطلب النجاة من عقوبته وناهيك بقرب الرسول ( ص ) من ربه والرجاء في استجابة دعائه . وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم فمعناه ان توبتهم لا تتحقق الا إذا رضي عن توبتهم رضا كاملا بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم فذنبهم ذلك لا يغفر الا بضم استغفاره ( ص ) إلى استغفارهم وليس كل ذنب كذلك بل يكتفى في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان والاخلاص للّه تعالى اه أقول وقد بينا الفرق بين هذا الذنب وغيره من الذنوب ومنه يعلم بعد من قاس كل ذنب على ذنب الرغبة عن التحاكم إلى الرسول ( ص ) وايثار التحاكم إلى الطاغوت ، وقاس كل مذنب بعد وفاة الرسول ( ص ) على من أعرض عن حكمه في حياته ، فجعل مجيء كل مذنب إلى قبره الشريف واستغفاره عنده كمجيء من أعرضوا عن حكمه في حياته تائبين مستغفرين ليعفو عن حقه عليهم ويستغفر لهم * * * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ هذه الآية متصلة بما قبلها أشد الاتصال والسياق محكم متسق وان ذكروا أسبابا خاصة لنزولها ، أقسم اللّه تعالى بربوبيته لرسوله ( ص ) مخاطبا له في ذلك خطاب التكريم ، ومن المعهود في اللغة ان مثل هذا القسم يعد تكريما وقد كانت عائشة تقسم برب محمد ( ص ) فلما غضبت مرة أقسمت برب إبراهيم ( ص ) فكلمها النبي ( ص ) في ذلك بعد رضاها فقالت : انما اهجر اسمك . اقسم تعالى بأن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم اليه ( ص ) وأمثالهم وهم من المنافقين الذين يزعمون الايمان زعما كما تقدم لا يؤمنون إيمانا صحيحا حقيقيا وهو إيمان الإذعان النفسي الا بثلاث ( الأولى ) ان يحكموا الرسول ( ص ) فيما شجر بينهم أي في القضايا التي يختصمون فيها ويشتجرون فلم يتبين الحق فيها لهم ، أو لم يعترف به كل منهم ، بل يذهب كل مذهبا فيه ، فمعنى شجر اختلف واختلط الامر فيه . قيل إن الشجر ( مصدر شجر ) والتشاجر والاشتجار مأخوذ من الشجر الملتف المتداخل بعضه في بعض ، -